الفروقات اللغويّة وتحدّيات التواصل بين الثقافات

مشاركة عبر


انا ايطالية-مغربية، أعني أن نصفي إيطالي ونصفي الآخر مغربي. أتحدّث أربع لغات: الإيطاليّة والعربيّة والفرنسيّة والإنجليزيّة. ولكن ما هي لغتي الأم؟ ليس لديّ واحدة.

يقال أن اللغة التي تفكّر وتتحدث بها مع نفسك هي لغتك الأم، ولكن هذا لا ينطبق عليّ. عندما أفكر بعواطفي ومشاعري أفكّر باللغة الإيطاليّة، أما عندما يتعلق الأمر بالعمل والإختيارات المهنية أفكر بالفرنسيّة، وعندما أفكر بالتفاعلات اليومية وحياتي الإجتماعية أفكر بالعربية.

اختيار اللغة ليست عمليّة بسيطة وتلقائية، أو بالأحرى، انها تلقائية ولكن بطريقة فريدة، وفي حالتي لم تكن دائماً كذلك. عندما يكتشف الآخرون أنني إيطاليّة مغربيّة، أول ما يخطر ببالهم هو مدى روعة معرفتي بثقافتين مختلفتين وقدرتي على التكلم بكل تلك اللغات وتمتعي بالمرونة الذهنية للتأقلم والاندماج بسهولة. لهذا أقول نعم ولا. أجل، التحدث بعدة لغات أمر مفيد، خاصة في العالم المهني. ولكن، وبرغم قربهما الجغرافي، ايطاليا والمغرب عالمان منفصلان تماما ثقافيّاً وإجتماعيّاً. كيف يمكن للمرء أن ينتمي إلى ثقافة واحدة دون أن يتنازل عن الأخرى ولو جزئياً؟ هل أنا إيطاليّة أكثر؟ أم مغربيّة أكثر؟ بغض النظر عن اختياري، سأشعر دائمًا أنني أخون جزءًا من هويتي. الكتابة بالإيطاليّة تبرز جزءاً منّي يختلف تماماً عن الكتابة بالعربيّة. أحب أن أشبه نفسي بالمشكال الملون، فبحسب اللغة التي استخدمها اصل الى اجزاء مختلفة من نفسي.

أعيش الآن في المغرب ولكن أمضيت معظم حياتي في إيطاليا. لدي صديقة إيطاليّة عزيزة اتحدث معها باللغة الإيطاليّة، غالبا ما أود أن أخبرها عن حياتي في المغرب وعن التحدّيات التي أواجهها ولكن أدرك أنني حتى لو وجدت الكلمات الأكثر ملائمة للوضع فلن تتوافق الرسالة التي ستصل عندما تقرأ كلماتي مع مشاعري الحقيقية. كيف أعرف ذلك؟ لأنني إذا قرأت كلمات فاطمة المغربيّة التي تتحدّث عن حياتها في المغرب بعيني فاطمة الإيطاليّة ذات الخلفيّة الثقافيّة الأوروبيّة، لن اتمكّن فعليّا من فهم تلك الكلمات. البيئة التي عاشت بها فاطمة الايطاليّة كل تلك السنوات لا تزوّدها بالسبل الملائمة لفهم المعنى بشكل كامل. إذا ترجمت هذه الكلمات للعربيّة فستحمل فروقات بسيطة لن يفهمها إلا الأشخاص الذين عاشوا ثقافة وبيئة هذا المجتمع ويفهمونهما.

دعونا نتخيل أن كل من الثقافات المختلفة عبارة عن كتلة بخواص محددة، حيث لكل منها قيمها وحقائقها ويقينها وتطلعاتها وقواعدها الخاصّة بها. عندما نكتب بلغة مختلفة عن لغتنا الأساسيّة، مرتبطة بكتلة الهوية التابعة لثقافة تلك اللغة، فنحن نحاول أن نعيد صياغة واقعنا باستخدام كلمات تحمل نفس المعنى في تلك الثقافة. لكن هل هذه الكلمات فعلا تحمل المعنى نفسه في الثقافتين؟ عندما نكتب بتلك اللغة فإننا نحاول التغلب على حواجز لغوية وثقافية للتمكّن من إيصال رسالتنا ومشاعرنا إلى جمهور أوسع. هذه المقاربة فعّالة عند التحدث عن مفاهيم عالميّة مثل الأعمال أو التكنولوجيا أو الرياضيات، حيث اللغة لا لبس فيها. قد تكون الكتابة بلغة مختلفة عن لغتنا الأم غير كافية لنقل ما نريد التعبير عنه من أفكار ومشاعر.

هناك مفاهيم تختلف بشكل كبير داخل الثقافة الواحدة مثل الحرية أو الإنجاز المهني، ناهيك عن اختلافها بين ثقافتين. عندما نحاول إيصال هذه المفاهيم إلى الأشخاص ذوي الخلفيات الإجتماعية والثقافية التي تختلف إختلافًا كبيرًا عن خلفياتنا، قد يكون من الصعب أو حتى المستحيل التعبير عن المعنى الحقيقي لما نريد نقله. حتى لو أن المصطلحات المستخدمة تبدو منطقية، فقد يكون تفسيرها مختلفًا.

عند التفكير في سبب اختيار الكتّاب للكتابة بغير لغتهم، تتبادر إلى الذهن عدة عوامل. أولاً، سبب هذا القرار. وثانيًا، آثارها المحتملة على المدى الطويل. دعونا نتخيل للحظة أن الجميع  بدأ الكتابة باللغة الإنجليزيّة حصراً من اليوم فصاعدًا. فبالرغم من أن الكتابة باللغة الانجليزيّة تسمح بإيصال الرسالة لجمهور أوسع، إن هذا صحيح فقط عندما يتعلق الأمر بالحقائق الموضوعيّة أو الأعمال أو التكنولوجيا. بينما عند مناقشة الموضوعات الاجتماعيّة الثقافيّة أو النفسيّة الاجتماعيّة فقد لا يفهم تماماً القراء الذين ليسوا من بلد المؤلف نظرًا لإفتقارهم للخلفيّة الثقافيّة، وقد يشعر القراء من بلاده بالاستبعاد أو الخيانة. فمن المهم أن نتذكر أن لا يتحدث الجميع الإنجليزيّة.

يمكن أن تكون الكتابة بلغة عالميّة وسيلة لتعزيز التنوّع الثقافي وجَسر الحواجز اللغويّة التي تعيق التّفاهم المتبادل وتبادل المعرفة. ولكن على الكتّاب ألّا يفترضوا أن الرسالة المستلَمة هي نفس الرسالة المرسَلة، فقد يختلف التفسير من ثقافة إلى أخرى. إحتمال أن يفسّر القارئ الرسالة بشكل مختلف أو حتى عكس المعنى المقصود دائماً موجود. بالإضافة إلى ذلك فإن أولئك الذين لا يستطيعون فهم الرسالة بسبب عدم إلمامهم بهذه اللغة العالميّة قد يشعرون بالدونيّة والإستبعاد، مما يؤدي إلى الإعتقاد بأن اللغة الإنجليزيّة أرقى وأن لغتهم الأم تحدّ من وصولهم إلى المعرفة. قد يؤدي هذا إلى نتائج سلبيّة مثل انخفاض تقدير اللّغات والثقافات المَحلّية وزيادة الإعتماد على لغة مهيمنة كاللّغة الإنجليزيّة.

الكتابة هي شكل من أشكال الفن، والفن عبارة عن تعبير إبداعي يحيي المشاعر من خلال الموسيقى والمسرح والمنحوتات والكلمات. يمكن أن تكون الكتابة بلغات أخرى غير لغتنا وسيلة للهروب، للتحرّر من المعاني التي تحملها نفس الكلمات في ثقافتنا الأصليّة. تتيح لنا الكتابة بغير لغتنا رفاهية السفر عبر الكلمات، للإنتقال إلى مكان آخر أثناء بقائنا حيث نحن، وجعل صوتنا مسموعًا حتى من بعيد، فمن نحن لنحكم على الفنان لاختياره للوسيط؟

هذا الموضوع معقّد ومتنوع الآراء. في حين أنه قد يكون من الجيّد الوصول إلى جمهور أوسع ومشاركة أفكارنا، فمن المهم أيضا أن نتحمّل مسؤوليّة الحفاظ على تراثنا الثّقافي ولغتنا. ينبغي علينا ألّا نخفّض من قيمتها بمحاولة رفع أنفسنا على حسابها. بل علينا تشجيع وحماية ورعاية البذور التي زرعها أولئك الذين بنوا عالمنا كما نعرفه اليوم.

لنأخذ حالة الحضارة الأمازيغيّة في المغرب ولغتها الأمازيغيّة. كان البربر مضطهدون لسنوات عديدة واعتبرت لغتهم أدنى من اللغة العربيّة. إلّا أن بفضل فخر هذا الشعب وهويته الثقافيّة واللغويّة القويّة، فقد اكتسبت لغتهم التقدير والإحترام مع الوقت. في عام 2011، ومع  إقرار دستور المغرب الجديد، تم الإعتراف أخيرًا باللغة الأمازيغيّة كلغة رسمية للبلاد إلى جانب اللغة العربيّة، ما يمثل خطوة كبيرة إلى الأمام لتعزيز وحماية الثقافة واللغة الأمازيغيّة. اليوم أصبحت الكثير من المدارس تقدّم دورات في اللغة الأمازيغيّة، وهناك معاهد تدريب لمعلمي اللغة الأمازيغيّة، بالإضافة إلى العديد من البرامج التلفزيونيّة والإذاعيّة باللغة الأمازيغيّة.

أثناء رحلتنا على طول الطريق السريع في المغرب، يمكننا أن نرى كتابات أمازيغيّة تحت الكتابات العربيّة. أليس هذا رائعا؟ بفضل فخر هذا الشعب وهويته القوية أصبح من الممكن الحفاظ على تراثه وتقديره للأجيال القادمة.

في حين أني أؤيد تمامًا حرية التعبير بكل الأشكال واللغات، يبقى من المهم أن نتذكر أننا نتاج أجيال ناضلت من أجل تعزيز ثقافتها ولغتها، وأصبحت الآن مسؤوليتنا مواصلة هذا الإلتزام بطريقتنا الخاصّة. التنوع الثقافي كنز يجب الحفاظ عليه وتقديره، ولكل لغة وثقافة الحق في أن تحترم وأن يحافظ عليها للأجيال القادمة.

أما بالنسبة لي، فأتذكّر عشاء عيد الميلاد مع عائلتي في إيطاليا عندما كنت طفلة. الطاولات الكبيرة المليئة باللازانيا ولحم الخنزير والنبيذ الأحمر والهدايا وشجرة الميلاد، وعودة جدّتي إلى المنزل بعد قدّاس عيد الميلاد. وأتذكّر همس والدي لي بأن كل هذا الفرح غير أخلاقي وأنه لا ينبغي الاحتفال بعيد الميلاد وأكل لحم الخنزير، وأن شرب الخمر حرام.

لقد ذكرت سابقًا كيف أن معرفة عدة لغات يتيح لي فرصة اختيار اللغة التي أريد إستخدامها بناءً على سياق اللحظة. أستخدم اللغة الإيطاليّة للتعبير عن مشاعري، والفرنسيّة للتواصل في المواقف المهنيّة، والعربيّة للتواصل في علاقاتي الاجتماعيّة وحياتي اليوميّة. لقد لاحظت أنه عندما أحاول مناقشة مواضيع معقدة فإنني أميل إلى استخدام اللغة الإنجليزيّة. يصبح من الصعب أحياناً التعبير عن بعض المشاعر أو الأفكار من دون الشعور بالإرتباك بسبب الذكريات والعواطف المتضاربة مما يسهّل عليّ استخدام لغة لا تحمل نفس الوزن العاطفي.

اللغة ليست مجرد أداة للتواصل بل هي أيضًا طريقة للتعبير عن أعمق أفكارنا ومشاعرنا. غالبًا ما نربط لغتنا الأم بالدفء والألفة، لكني أشعر بدفء مبالغ به الآن، فما رأيكم أن نلتزم باللغة الإنجليزيّة في هذا المقال؟

الوسوم

الأكثر قراءة

ساحرة الفودو

السعادة ومعنى الحياة

النقد وأهميته في المسار التنموي وتوجيهات المجتمع

مقالات مختارة

هوية الرواية في الادب المصري

الأسطورة والحقيقة

روح المدن، بين الحضور والزوال

هل يمكن للتقليد أن يكون مصدرًا للإبداع؟

مقالات مشابهة

الأكثر قراءة

ساحرة الفودو

السعادة ومعنى الحياة

النقد وأهميته في المسار التنموي وتوجيهات المجتمع

مقالات مختارة

الأسطورة والحقيقة

التاريخ يشكل تصورتنا وهويتنا

كيف يتعلم الأطباء؟

هل يمكن للتقليد أن يكون مصدرًا للإبداع؟