كيف يتعلم الأطباء؟

مشاركة عبر

تخيل معي يا صديقي عند عودتك من العمل ماش ًيا على قدميك كعادتك كل يوم، تصطدم بك عربة سائقها شاب صغير. ينزل الشاب ليعتذر، تلتف الجموع حولك ويطلبوا الإسعاف. ورغم صعوبة الموقف تشاء سخرية القدر ان المستشفى الوحيدة القريبة من مكان الحادث هي مستشفى جامعية تعليمية، وإذا بك تفاجئ بأن الطبيب المناوب الوحيد الموجود هو شب صغير ربما في العشرين من عمره، حديثي التخرج. بالطبع ولصعوبة الموقف ستخضع لعلاج

هذا الطبيب الصغير، ولكن هل لو كان القرار بيديك كنت ستسمح لطبيب صغير للتدريب عليك؟ ‎دعنا نفكر لمدة دقيقة… كيف يتعلم الأطباء؟ ولكن السؤال الأهم: كيف سيتعلم الطبيب إن لم يقوم بالكشف عليك؟ الكثير مننا يفضل وجود طبيب ذو خبرة ويرفض رفض تام التعامل مع طبيب في بداية حياته المهنية، ولكن لو أخذنا دقيقة نفكر سنصل إلى استنتاج أن الطبيب الكبير ذو الخبير والسمعة المرموقة ما هو إلا طبيب صغير حديثي التخرج سنحت له الفرصة للتدريب وبموافقة حالات مثلك بُنيت خبرته، و الطبيب الصغير ما هو إلا طبيب ذو خبرة لكن تحت الإنشاء و المقاول المسؤول هو أنت و أنا و كل مريض يقبل بأن يكون جزء من هذه الخبرة. في كتاب مضاعفات مذكرات جراح على علم ناقص للجراح والكاتب أتول جواندي يقول إن عملية تعلم الأطباء تعد من أكثر العمليات التي تشمل معضلة أخلاقية لأن القرار يكون بين تدريب طبيب لإنقاذ حياة الآلاف في المستقبل لكن الخطأ اليوم وارداً، وبين اختيار أقل نسبة خطأ اليوم وتولي طبيب كبير الحالة و في ذلك موت بطئ للمهنة في المستقبل أو على الأقل انحدار في مستوي الكادر الطبي الغير مدرب ليكونوا أصباء المستقبل. فهو دائماً السؤال: ما الأهم، مصلحة المريض على المدى القصير أم مصلحة

المجتمع على المدى الطويل؟ … ‎فقبل الإجابة على هذا السؤال دعني أفاجئك بأن الدراسات أثبتت أن وجود أطباء صغار في المستشفيات التعليمية على سبيل المثال يجعل الأطباء الكبار المشرفين عليهم في غاية الانتباه لهم وللحالات كذلك. فالخوف من حدوث أخطاء يجعل الأطباء الكبار أكثر انتباها مما يكونوا بدون الأطباء الصغار. ولكن، هل يتوقف الأطباء عن التعلم عندما يكتسبون الخبرة أو عند إكمال عدد معين من السنوات في المهنة؟ في الحقيقة الإجابة لا. فأن الطب من المهن التي يطلق عليها لقب الممارسة و ليس المزاولة. فممارس الطب لا ينهي مسيرته التعليمية، لأن مع كل شيء يتعلمه و يطبقه يكتسب خبرة أكبر و ينعكس هذا على تحست أدائه و سرعته. لذلك يمكننا أن نفول أن العملية التعليمية للأطباء يمكن ألا تكون في مصلحة المرضى الأولين لكنها لمصلحة الكل في النهاية. ففي دراسة أجرتها The British Medical Journal في سنة 2000 في قسم جراحة الأطفال. و كانت عبارة عن نتائج ل 325 طفل لديهم عيب خلقي في القلب. ففي السبعينيات كانت تجري لهؤلاء الأطفال عملية فقط لتنقذ حياتهم و لكن لا يعيشون لمدة طويلة بعدها أي أن تأثيرها كان قصير المفعول، و في الثمانينيات و بسبب تطور التكنولوجيا ظهرت عملية أخري أدق، بدأ الأطباء في القيام بها و بالفعل طال متوسط أعمال هؤلاء الأطفال بشكل ملحوظ، و لكن لأنها كانت جديدة من نوعها في أول 70 عملية كان معدل الوفيات 25% في مقابل 6% للعملية القديمة و لكن مع الوقت و التدريب سقط على %5 فاعلية العملية زادت مع زيادة خبرة الأطباء. ‎

لذلك يمكننا التساؤل، فما هو معدل السرعة الذي يتعلم به الأطباء؟ في الحقيقة لا يمكننا أن نحسم وقتاً محدداً لعملية تعلم كوادر الطاقم الطبي منهم الأطباء و الممراضات و غيرهم لكن الذي يهمنا هو من يتحمل عبء هذا التعليم؟ في دراسة من جامعة هارفرد كانوا يدرسون المنحنى التعليمي للعديد من الوظائف، فقاموا بدراسة 18 جراح قلب، كل منهم مع الطاقم الخاص به فبعد ان اجروا 50 عملية لاحظ الفريق أن هناك فروقات بين ال18 مجموعة على الرغم من أن جميعهم أطباء أكفاء. فقسمهم فريق البحث إلى الفرق الأبطأ و الأسرع، و لاحظوا أن الفرق الأسرع استطاعت بالتدريب و بعض التفاصيل الأخرى أن تقلل مدة العملية للنصف تقريباً. ليس هذا فقط الغريب لكن العجيب أيضاً هو أن الفرق الأسرع كانت من الأطباء الأقل خبرة، فكيف توصلوا لهذا؟ لاحظ العلماء انهم قاموا ببعض الخطوات التي أدت لهذه النتيجة منها اختيارهم لزملائهم القدامى الذي كان قد سبق لهم العمل معهم و أيضاً الاتفاق و الكلام في تفاصيل العملية قبل و بعد إجرائها بالإضافة إلى القيام بأول 6 عمليات في أسبوع واحد مما جعل الخطوات شبه محفوظة. فأثبتت الدراسة أن مهما كانت الخبرة كبيرة فبدون تدريب كافي يمكن حدوث أخطاء فادحة. ففي عالم الطب التدريب يتفوق على الخبرة. ‎الخلاصة أن السر في عالم الطب و الدواء هو التعود و التكرار و أن هذا يجعل نسب الشفاء عالية جداً. و كل هذا يترجم في كلمة واحدة: التخصص. و ربما يقول الناس أن أخطاء الأطباء لا تنتهي و منا من فقد عزيز بسبب خطأ طبي لكن حقيقة الأمر أن ما يعانيه هؤلاء البشر هو كم من الضغط و التوتر و أيام عمل متواصلة لا يمكن تحملها الناس و هذا يمكن بالطبع أن يولد أخطاء و كما ناشدت منظمة الصحة العالمية أن الأطباء يجب أن تكون ظروف عملهم أكثر أدمية لعصمهم من أخطاء محتملة و من الاكتئاب و الانتحار في بعض الأحيان. فنعم أن مهنه الطب تعد مرموقة إلى درجة القُدسية، لكن علينا ألا ننسى أن هؤلاء مجرد بشر في النهاية فلا نقسو عليهم بتوقعاتنا ولا نؤلمهم بتخيلاتنا، كل ما علينا فعلة أن نمنحهم الصبر للتعلم، ونتشجع و لا ننسى أن يجب أن يكون هناك مرة أولى لكل شيء و كل شخص…

الوسوم

الأكثر قراءة

ساحرة الفودو

السعادة ومعنى الحياة

النقد وأهميته في المسار التنموي وتوجيهات المجتمع

مقالات مختارة

ساحرة الفودو

خيوط الذات وألحان التعريف في مسرح الوجود

تداخل الوهم والحقيقة

مرحبا ايها العالم الجميل

مقالات مشابهة

الأكثر قراءة

ساحرة الفودو

السعادة ومعنى الحياة

النقد وأهميته في المسار التنموي وتوجيهات المجتمع

مقالات مختارة

هل يمكن للتقليد أن يكون مصدرًا للإبداع؟

تداخل الوهم والحقيقة

الجمال والفن: قصة الجمالية في الفلسفة

روح المدن، بين الحضور والزوال