هوية الرواية في الادب المصري

مشاركة عبر

أن الرواية ٍ تُعتبر نوع من أنواع األدب، وتتميز عن غيرها بالخيال المكتوب بلغٍة نثرية وبطابع سردي، وتعد الرواية من أهم ألوان الفنون األدبية في عصرنا الحالي، لكنها لم تكن دوماًكذلك. ورغم صدارة العرب في فنو ٍن وعلوٍم شتى إال أن فن الرواية لم يكن لهم الصدارة فيه بالرغم من تأثيرهم فيه فيما بعد . فبرغم من نبوغ العرب في الشعر والسرد الملحمي لم يكن العرب أول من كتب رواية. فالرواية غربية األصل، فأول رواية كتبت كانت منذ أكثر من 1000 عام، وكانت يابانية األصل تحت عنوان “حكاية جينجي ” كتبها موراساكي شيكيبو. بعدها ظهرت الرواية في أوروبا وكان أول من كتبها هو الكاتب والتاجر اإلنجليزي دانيال ديفو وهي رواية “روبنسون كروز و”.

ولحقه بعدها العديد من الروائيين األوروبيين مثل دوستويفسكي الروسي وفيكتور هوجو وفيرجينيا وولف غيرهم. ازدهرت الرواية وانتشرت بشكل كبير في أوروبا فبدأ بعض المثقفين المصريين واللبنانيين والسوريين بعد منتصف القرن التاسع عشر الميالدي في نقل وترجمة بعض الروايات األوروبية إلى العربية وكان أول من حاول نقل الرواية هو رائد التنوير رفاعة الطهطاوي في ترجمته لرواية “فينيلون”. ومن خالل ذلك تعرف العرب شعباً وأدباءاً على لون جديد من ألوان األدب وهو الرواية. انفتاح العرب على العالم األوروبي مّهد الطريق لظهور الرواية العربية. فبدراسة تاريخ اآلداب العربي نجد أن الرواية العربية من ناحية القصة والسرد كانت موجودة لدى العرب في العصر العباسي. ومن أمثال ذلك تلك القصص: قصة البخالء للجاحظ، وكتاب كليلة ودمنه البن المقفع، وألف ليلة وليلة. ولكن في ذلك الوقت لم يكن هذا الفن معروفا باسم الرواية. فعرفت الرواية العربية األولى للكاتبة اللبنانية زينب فواز هي الرائدة برواية “حسن العواقب” التي ألفتها سنة 1899 أي قبل 15 عاما من صدور رواية “زينب” للكاتب محمد حسين هيكل التي كانت سنة .1914 وتأتي المفارقة ألن أسم زينب مذكور في الروايتين فيظن البعض عندما نقول إن رواية زينب هي األولى أننا ننسب الصدارة لهيكل بينما يكون القصد هي رواية زينب الكاتبة “حسن العواقب”. ففي كل األحوال تعد هذه البداية القوية للرواية العربية .

وعقب الحرب العالمية األولى ومع بداية الثالثينات من القرن العشرين شكالً جديدا أكثر وأعمق فنية، وظهرت جميع قواعدها وعناصرها الفنية بدأت الرواية العربية تتخذ على يد مجموعة من الكتاب المصريين الذين تأثروا بالثقافة الغربية أمثال طه حسين وتوفيق الحكيم والمازني ويوسف إدريس، ويحي حقي، وعباس العقاد ، وغيرهم. وبسبب تطوير الكتاب المصريين للرواية، ظهرت الشخصية والهوية المصرية في روح الرواية العربية في كل اتجاهاتها؛ االتجاه الرومانسي، االتجاه الواقعي، االتجاه النفسي، االتجاه الوجودي. برع الكتاب المصريين في مزج الشخصية المصرية في االتجاهات المختلفة متأثرين بما حولهم من ذي كان غالبا فاستطاع ً أحداث ومن علوم. ففي االتجاه الرومانسي وهو االتجاه ال على طبيعة الرواية الكاب المصريين أن يقوموا بوصف عواطف مختلفة م ثل “رواية عودة” الروح لتوفيق الحكيم، وكتابات إحسان عبد القدوس “في بيتنا رجل” والوسادة الخالية”. كما ظهر إبداعهم في هذا االتجاه عندما مزجوا الطباع والفوارق المصرية من اضطهاد وطبقية في الرواية مثل رواية “رد قلبي” ليوسف السباعي التي كانت تؤيد االتجاه الرومانسي ُمظهرة الفرق بين الطبقات االجتماعية والفوارق . كما ظهرت أيضا لالتجاه ً الطبقية والتقاليد والعادات التي كان يقيد بها المجتمع النزعة الوجدانية الرومانسي مثل رواية “أوديب ” لطه حسين. فبالرغم من أن االتجاه الرومانسي كان سائداً في الرواية إال أن الكتاب المصريين استطاعوا ترك بصمتهم في االتجاهات األخرى للرواية، متأثرين ببعض األفكار الغربية واألحداث الوطنية ُمشكلين أنماطا في مختلف اتجاهات الرواية العربية. ففي االتجاه الواقعي مال الكتاب إلى ً بذألك جديدة النموذ ج المصري في صراع األضداد مثل االنتصار على الرأسمالية وصراعات الغنى والفقر وغيرها مما كان موجود في المجتمع. وفيها ظهر أثر الروائيين الغرب في الروائيين العرب ، مثل رواية “زقاق المدينة” لنجيب محفوظ نجدها في “أوليفر تويست ” لتشارلز لديكنز.

بعد اكتشافات عالم النفس سيجموند فرويد وكذلك في االتجاه النفسي الذي كان في ذروته خصوصاً وهو الذي قام بتحفيز الكتاب على مستوى العالم على خلق حوارات مع النفس والتي سميت “المونولوج الداخلي” وعلى الرغم من وجود هذا العنصر في المسرح قبل ذلك في مسرحيات الكاتب اإلنجليزي الكبير ويليم شيكسبير، فأن أول ظهور لهذا االتجاه في الرواية العربية كان في رواية اللص والكالب لنجيب محفوظ إذ استخدم قانون التّداعي حيث تناقش الرواية أفكار العبث والموت ومعنى الوجود، وبحث البطل عن العدل الضائع. كذلك تأثر الكتاب المصريين بكتابات جان بول سارتر وألبير كامو اللذين ألهموهم بتيار جديد في الرواية العربية وهو تيار الواقعية ومن أهم القضايا التي ناقشها هذا التيار هي قضيّة الحرية وقضيّة وااللتزام، ومن خالل رواية “الباب المفتوح” للطيفة الزيات تمثل بشكل كبير الواقع الذي كان موجودا في مصر خالل فترة الخمسينات في القرن العشرين أظهرت الرواية انعكاس الروح المصرية على التيار الواقعي، كما أن الرواية أوضحت كثيرا من كيفية ترابط الشعب المصري ذلك الوقت أمام االحتالل اإلنجليزي. فمما سبق يمكن القول إن الهوية المصرية انصهرت بالكامل داخل عناصر الرواية العربية مشكلة الرواية العربية إلى دنيا النص المفتوح الذي نختبره اآلن مع الكتاب المعاصرين. فانطالقا من الشخصيات المتأثرة بالشارع المصري مثل الثالثية الشهيرة للكاتب نجيب محفوظ، وهي ثالث روايات وترتيبها: بين القصرين، قصر الشوق، السكرية، والتي تدور أحداثها حول مراحل حياة شخص اسمه كمال ابن السيد أحمد عبد الجواد .

كما عكست الرواية المصرية روح الحياة في مصر في مختلف العصور ولمختلف الطبقات، فكانت من الروايات األولى التي قامت بوصف الريف وصفا مثلما ظهر في ً دقيقاً المصري والحضر والمدينة والبيوت والشوارع والمساجد والحياة الدينية رواية “األيام” لطه حسين والتي تعتبر سيرة ذاتية. كما انعكست الروح المصرية بكل جوانبها أيضاً في الرواية، فنجد األحداث السياسية خاصة تشكل تأثيراً على العقل الجمعي مما ينعكس على الرواية ً فمن أعظم الروايات التي أظهرت ذلك هي رواية “ثرثرة فوق النيل” للكاتب نجيب محفوظ، والتي ُكتبت بعد هزيمة حرب 1967 تجتمع عدد من شخصيات المجتمع المصري ويحاولون الهروب من الواقع اليومي البائس الذي يحيط بهم وفيها وصف دقيق للشعور اإلنساني. فالرواية أقرب للشعور اإلنساني من أي لون من ألوان األدب، ألن بها حياة تشبه حياتنا، وشخصيات تشبهنا، وأقدار مثل أقدارنا. فمهما هز الشعر وجداننا ومهما ط ّهر المسرح مشاعرنا، تبقى الرواية فيها شيئا . ولمصر دوراً كبيراً في تشكيل هوية الرواية في عالم االدب العربي، و ًمن روح حياتنا ستبقى الرواية العربية تمثل روح و وجدان الشخصية العربية و الحياة العربية و الصراعات العربية.

الوسوم

الأكثر قراءة

ساحرة الفودو

السعادة ومعنى الحياة

النقد وأهميته في المسار التنموي وتوجيهات المجتمع

مقالات مختارة

التاريخ يشكل تصورتنا وهويتنا

ماذا فعلت السنغال لتهيمن على الكرة الأفريقية في كل المراحل؟

روح المدن، بين الحضور والزوال

كيف يؤثر الزمن والمكان على تشكيل أفكارناو تصوراتنا؟

مقالات مشابهة

الأكثر قراءة

ساحرة الفودو

السعادة ومعنى الحياة

النقد وأهميته في المسار التنموي وتوجيهات المجتمع

مقالات مختارة

هوية الرواية في الادب المصري

تداخل الوهم والحقيقة

التاريخ يشكل تصورتنا وهويتنا

لغة العرب: رحلة التفرد والتألق في متاهات اللهجات